العيني

41

عمدة القاري

والسنة قاضية عليه . قلت : لم يقل أبو حنيفة هذا أصلاً ، وقد بينا فيما مضى مذهبه ، وقال أيضا : يستحب عندنا أن يجعل في كل غسلة قليل كافور . قوله : ( أو شيئا من كافور ) شك من الراوي أي اللفظين قال . وقوله : ( شيئا ) نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه ، وهل يقوم المسك مقام الكافور ، قال بعضهم : إن نظر إلى مجرد التطيب ، نعم وإلا فلا . قلت : ليس كذلك ، بل ينظر إن كان يوجد فيه ما ذكره من الأمور في الكافور ينبغي أن يقوم وإلاَّ فلا إلاَّ عند الضرورة ، فيقوم غيره مقامه . قوله : ( آذنني ) ، بتشديد النون الأولى ، قاله الكرماني ، ولم يبين وجهه . قلت : هذا أمر لجماعة الإناث ، من : آذن يؤذن إيذانا إذا علم . . قوله : ( فلما فرغنا ) هكذا هو بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين ، وفي رواية الأصيلي : ( فلما فرغن ) بصيغة الماضي للجمع المؤنث . وقال بعضهم : ( فلما فرغنا ) للأكثر بصيغة الخطاب من الحاضر ، وللأصيلي : ( فلما فرغن ) بصيغة الغائب قلت : هذا القائل لم يمس شيئا من علم التصريف ولا يخفى فساد تصرفه . قوله : ( حقوه ) ، بفتح الحاء المهملة وسكون القاف وفي ( المحكم ) الحقو ، والحقو يعني بالفتح والكسر ، والحقوة والحقا : كله الإزار ، كأنه سمي بما يلاث عليه ، والجمع : أحق وأحقاء وحقي وحقاء ، وقد فسره في المتن بقوله : تعني إزاره ، يعني إزار النبي صلى الله عليه وسلم . وقال بعضهم : الحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازا ( وفي رواية ابن عوف عن محمد بن سيرين بلفظ فنزع من حقوه إزاره ) والحقو في هذا على حقيقته . قلت : إن كان أخذا من موضع كان يتعين عليه أن يبين مأخذه ، وإن كان هذا تصرفا من عنده فهو غير صحيح ، ولم يقل أحد إن الحقو في موضع مجاز وفي موضع حقيقة ، بل هو في الموضعين حقيقة لأنه مشترك بين المعنيين ، والمشترك حقيقة في المعنيين والثلاثة وأكثر والدليل على ذلك أن الجوهري قال : الحقو : الإزار وثلاثة أحق . ثم قال : والحقو أيضا الخصر ومشد الإزار . قوله : ( أشعرنها إياه ) أمر من الإشعار وهو إلباس الثوب الذي يلي بشرة الإنسان أي : إجعلن هذا الإزار شعارها ، وسمي : شعارا لأنه يلي شعر الجسد ، والدثار ما فوق الجسد ، والحكمة فيه التبرك بآثاره الشريفة ، وإنما أخره إلى فراغهن من الغسل ولم يناولهن إياه أولاً ليكون قريب العهد من جسده ، صلى الله عليه وسلم ، الشريف حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل ، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين ، واختلف في صفة إشعارها إياه فقيل يجعل لها مئزرا ، وقيل : تلفُّ فيه . ذكر ما يستفاد منه : فيه : استحباب استعمال السدر والكافور في حق الميت . وفيه : دليل على جواز استعمال المسك وكل ما شابهه من الطيب ، وأجاز المسك أكثر العلماء ، وأمر علي ، رضي الله تعالى عنه ، به في حنوطه . وقال : هو من فضل حنوط النبي ، صلى الله عليه وسلم ، واستعمله أنس وابن عمر وسعيد بن المسيب ، وكرهه عمر وعطاء والحسن ومجاهد . وقال عطاء والحسن : أنه ميتة ، وفي استعمال الشارع له في حنوطه حجة عليهم . وقال أصحابنا : المسك حلال للرجال والنساء . وفيه : ما يدل على أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج ، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة ، والجمهور على خلافه ، وهو قول الثلاثة والأوزاعي وإسحاق . وفي ( التوضيح ) : وقد وصت فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، زوجها عليا ، رضي الله تعالى عنه ، بذلك ، وكان بحضرة الصحابة ولم ينكر أحد ، فصار إجماعا . قلت : وفيه : نظر لأن صاحب ( المبسوط ) و ( المحيط ) و ( البدائع ) وآخرون قالوا : إن ابن مسعود سئل عن فعل علي ، رضي الله تعالى عنه ، في ذلك ، فقال : إنها زوجته في الدنيا والآخرة ، وعنى بذلك أن الزوجية باقية بينهما لم تنقطع ، وفيه نظر ، لأنه لو بقيت الزوجية بينهما لما تزوج أمامة بنت زينب بعد موت فاطمة ، رضي الله تعالى عنها ، وقد مات عن أربع حرائر ، ووصية فاطمة عليا بغسلها رواه البيهقي وابن الجوزي وفي إسناده عبد الله بن نافع ، قال يحيى : ليس بشيء ، وقال النسائي : متروك ، والبيهقي رواه في ( سننه الكبير ) وسكت ، وظن أنه يخفى ، وأما المرأة إذا غسلت زوجها وهي معتدة فهو جائز له لأنها في العدة . وفيه : جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل . 9 ( ( بابُ ما يُسْتَحَبُّ أنْ يُغْسَلَ وِتْرا ) ) كلمة : ما ، مصدرية وكذا كلمة : أن ، والتقدير : هذا باب في بيان استحباب غسل الميت وترا . قيل : يحتمل أن تكون : ما ، مصدرية